أحمد مصطفى المراغي
39
تفسير المراغي
الإيضاح ( يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ ) أي خذ التوراة التي هي نعمة اللّه على بني إسرائيل بجدّ واجتهاد ، وحرص على العمل بها . ثم وصفه اللّه بصفات كلها مناهج للخير ووسائل للطاعة فقال : ( 1 ) ( وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) أي وأعطيناه الحكمة والفقه في الدين والإقبال على الخير وهو صغير لم يتم سبع سنين ، روى أن الغلمان قالوا له يوما : هيّا بنا نلعب ، قال : ما للّعب خلقنا اذهبوا بنا نصلى . ( 2 ) ( وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا ) أي وجعلناه ذا حنان وشفقة على الناس وحسن نظر فيما وليه من الحكم فيهم ، وقد وصف اللّه نبيه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بمثل هذا في قوله « فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ » وقوله « حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ » ( 3 ) ( وزكاة ) أي طهارة من الدنس وبعدا من اجتراح الذنوب والآثام . ( 4 ) ( وَكانَ تَقِيًّا ) أي مطيعا لما به أمر وعنه نهى ، فلم يفعل معصية ولا همّ بها . ( 5 ) ( وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ ) أي كثير البر بهما والإحسان إليهما والحدب عليهما بعيدا عن عقوقهما قولا وفعلا ، وقد جعل اللّه طاعة الوالدين في المرتبة التي تلى مرتبة طاعته فقال : « وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً » . ( 6 ) ( وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً ) أي لم يكن متكبرا على الناس ، بل كان ليّن الجانب متواضعا لهم ، وقد أمر اللّه نبيه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بمثل هذا في قوله : « وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » ووصفه بقوله : « وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ » ومن ثم لما تجبر إبليس وتمرد صار مبعدا من رحمة ربه . ( 7 ) ( عصيا ) أي مخالفا لما أمره ربه . ثم ذكر سبحانه جزاءه على ما قدم من عمل صالح وأسلف من طاعة ربه فقال : ( وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ) أي وتحية من اللّه عليه أول ما يرى الدنيا ، وأول يوم يرى فيه أمر الآخرة ، وأول يوم يرى فيه الجنة والنار .